الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
335
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
زوجتي النبي صلى اللّه عليه وسلّم قريبا وكان عملهما ما فيه بارقة من مخالفة ، وكان في المثلين ما فيه إشعار بالحالين . وتعدية ضرب باللام الدال على العلة تفيد أن إلقاء المثل لأجل مدخول اللام . فمعنى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا أنه ألقى هذا التنظير لأجلهم ، أي اعتبارهم بهم وقياس حالهم على حال الممثل به ، فإذا قيل : ضرب لفلان مثلا ، كان المعنى : أنه قصده به وأعلمه إياه ، كقوله تعالى : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [ الزخرف : 58 ] . وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [ الروم : 58 ] . ونحو ذلك وتقديم المجرور باللام على المفعول للاهتمام بإيقاظ الذين كفروا . فمعنى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ، أن اللّه جعل حالة هاتين المرأتين عظة وتنبيها للذين كفروا ، أي ليذكرهم بأن اللّه لا يصرفه عن وعيده صارف فلا يحسبوا أن لهم شفعاء عند اللّه ، ولا أن مكانهم من جوار بيته وعمارة مسجده وسقاية حجيجه تصرف غضب اللّه عنهم ، فإن هم أقلعوا عن هذا الحسبان أقبلوا على التدبر في النجاة من وعيده بالنظر في دلائل دعوة القرآن وصدق الرسول صلى اللّه عليه وسلّم فلو كان صارف يصرف اللّه عن غضبه لكان أولى الأشياء بذلك مكانة هاتين المرأتين من زوجيهما رسولي رب العالمين . ومناسبة ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط دون غيرهما من قرابة الأنبياء نحو أبي إبراهيم وابن نوح عليهما السلام لأن ذكر هاتين المرأتين لم يتقدم . وقد تقدم ذكر أبي إبراهيم وابن نوح ، لتكون في ذكرهما فائدة مستجدة ، وليكون في ذكرهما عقب ما سبق من تمالؤ أمي المؤمنين على زوجهما صلى اللّه عليه وسلّم تعريض لطيف بالتحذير من خاطر الاعتزاز بغناء الصلة الشريفة عنهما في الوفاء بحق ما يجب من الإخلاص للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ليكون الشّبه في التمثيل أقوى . فعن مقاتل « يقول اللّه سبحانه لعائشة وحفصة : لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية وكونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم » . ووضحه في « الكشاف » بأنه من قبيل التعريض . ومنعه الفخر ، وقال ابن عطية : « قال بعض الناس في المثلين عبرة لزوجات النبي صلى اللّه عليه وسلّم حين تقدم عتابهن . وفي هذا بعد لأن النص أنه للكفار يبعد هذا » اه . ويدفع استبعاده أن دلالة التعريض لا تنافي اللفظ الصريح ، ومن لطائف التقييد بقوله تعالى : لِلَّذِينَ كَفَرُوا أن المقصد الأصلي هو ضرب المثل للذين كفروا وذلك من الاحتراس من أن تحمل التمثيل على المشابهة من جميع الوجوه والاحتراس بكثرة